سيد محمد طنطاوي
127
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثبت أمره ، واستقام على الطريقة المثلى ، وأمسك من الدين بأقوى سبب ، وأحكم رباط . فقد شبه - سبحانه - المتوكل عليه في جميع أموره ، المحسن في أفعاله ، بمن ترقى في حبل شاهق ، وتدلى منه ، فاستمسك بأوثق عروة ، من حبل متين مأمون انقطاعه . وخص - سبحانه - الوجه بالذكر ، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة ، فإذا خضع الوجه الذي هو أكرم الأعضاء ، فغيره أكثر خضوعا . وقوله : * ( وإِلَى اللَّه عاقِبَةُ الأُمُورِ ) * أي : وإلى اللَّه - تعالى - وحده تصير الأمور ، وترجع إليه ، وتخضع لحكمه وإرادته . وقوله - تعالى - : * ( ومَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُه . . . ) * تسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، عما أصابه من حزن بسبب إصرار الكافرين على كفرهم . أي : ومن استمر - أيها الرسول - على كفره بعد أن بلغته رسالتنا ودعوتنا ، فلا يحزنك بعد ذلك بقاؤه على كفره وضلاله ، فأنت عليك البلاغ ، ونحن علينا الحساب ، وإنك لا تهدى من أحببت ، ولكن اللَّه يهدى من يشاء . وقوله - سبحانه - : * ( إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ، فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا . . . ) * بيان لسوء مصيرهم . أي : إلينا وحدنا مرجع هؤلاء الكافرين ، فنخبرهم بما عملوه في الدنيا من أعمال سيئة ، ونجازيهم عليها بما يستحقونه من عقاب . * ( إِنَّ اللَّه ) * - تعالى - * ( عَلِيمٌ ) * علما تاما * ( بِذاتِ الصُّدُورِ ) * أي : بمكنونات الصدور وخفاياها . . * ( نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ) * في هذه الحياة الدنيا . أي نمتعهم تمتيعا قليلا في دنياهم ، بأن نعطيهم الأموال والأولاد على سبيل الاستدراج . * ( ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ ) * أي نعطيهم في حياتهم القصيرة ما يتمتعون به من مال وصحة . . . ثم نلجئهم وندفعهم دفعا يوم القيامة إلى عذاب مروع فظيع ، لضخامة ثقله ، وشدة وقعه . والمراد بالاضطرار : الإلجاء والقسر والإلزام ، أي : أنهم لا يستطيعون التفلت أو الانفكاك عن هذا العذاب الذي أعد لهم . ووصف - سبحانه - العذاب بالغلظ ، لزيادة تهويله وشدته . فهو ثقيل عليهم ثقل الأجرام الضخمة التي تهوى على رأس الإنسان ، فتشل حركته وتهلكه . ثم بين - سبحانه - ما كان عليه هؤلاء الكافرون من تناقض بين أقوالهم وأفعالهم فقال :